أحمد بن يحيى العمري
26
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وليصرف شهوته إلى ما لا ينصرف ، وما يقف على المعدة ويتوقف ، ويلازم مغلظات الغداء ولا يسمع ممن قال : إنه المذموم ، وليستكثر من لحوم الجمال والجواميس والبقر وما أشبه هذه اللحوم ، وكذلك مارزن من الحبوب ووزن ، فجاء أضعاف مثله في القدر المحسوب ؛ ودأبك أن تعرف موسم كل مجتمع ، ومكان يرجى فيه ملء البطن والشبع ، وصرف أعوانك لتعرف أخبار الأعراس التي يولم فيها الولائم ، وبقية المواضع التي ينصرف عنها بشبعه الطاعم ، وأسمطة الأمراء وآدر الوزراء ، ومواضع مناصفات الفقراء ، والأوقات التي تعمل لها جلاسات الفقهاء والقراء ، ومظان الرهان التي تؤخذ فيها الدراهم ، وتصرف غالبا في أنواع المطاعم ، ودعوات الإخوان وأهل القصف ، ومن يكون على ميعاد استعد له ومالا يبعد عن هذا الوصف ، ودور أهل اليسار وكبار العامة والتجار ، والجندي إذا جاء من الريف وحط هديته عن الحمار ، وأرباب الصنائع الذين منهم من أوتى رزقه ، ومن لا يبلغ أجرة عمله في اليوم درهمين وينفق بعض الأيام أكثر من دينار ؛ ومواضع النزه ، فكثيرا ما يستخرج بها مال البخيل ، والبيوت التي تطلب إليها المواشط والدايات ، فإن النفقة فيها غير قليل ؛ وأقم لك ربيئة « 1 » على كل رابية [ و ] كل مكان يدقّ عليه بالطبول ، ويتبع من يقوم منهم لتهنئة من تجددت له نعمة أو دفعت عنه نقمة أو غير هذا مما يقتضيه الفضول ، ثم اقصد هذه المواضع وابسط يدك كل البسط ، وتذكر ما كتب ساسان على عصاه « 2 » ولا تنس الشرط ، ولف الإوز والدجاج والبط ، واشرب بالزبادي المرق ولو أنه ماء الشّطّ ، واحرق كل ما قدامك ولو كان النار والكبريت والنفط ؛ وصل صولة الفحل ، وكل
--> ( 1 ) الرّبيئة : الطّليعة . ( القاموس ) . ( 2 ) عصا ساسان : دستور العمل عند المكدين ، كان مكتوبا عليها : الكسل شؤم ، والتّمييز مذموم ، والحركة بركة ، والتّواني هلكة ؛ وكلب طائف خير من أسد رابض ، ومن لم يحترف لم يعتلف . ( ما يعوّل عليه في المضاف والمضاف إليه ، للمحبّي ، ص 259 أنسخة دار الكتب الوطنية بتونس ) .